ابن الجوزي

162

صفة الصفوة

فحدثه ساعة ثم قال له : عليك دين ؟ قال : نعم . فقال : أبا عباس اقض دينه فلما خرجنا قال : ما أغنى عني صاحبك شيئا ، انظر لي رجلا أسأله . فقلت له : هاهنا عبد الرزاق بن همام . قال : امض بنا إليه . فأتيناه فقرعت الباب فقال : من هذا ؟ قلت : أجب أمير المؤمنين . فخرج مسرعا فقال : يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلى أتيتك . قال : خذ لما جئناك له . فحادثه ساعة ثم قال له : عليك دين ؟ قال : نعم . قال أبا عباس : اقض دينه . فلما خرجنا قال : ما أغنى صاحبك شيئا انظر لي رجلا أسأله . قلت : هاهنا الفضيل ابن عياض . قال امض بنا إليه . فأتيناه فإذا هو قائم يصلي يتلو آية من القرآن يرددها . فقال : اقرع الباب . فقرعت الباب فقال : من هذا ؟ فقلت : أجب أمير المؤمنين فقال : ما لي ولأمير المؤمنين ؟ فقلت : سبحان اللّه أما عليك طاعة ؟ أليس قد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « ليس للمؤمن أن يذل نفسه » فنزل ففتح الباب ثم ارتقى إلى الغرفة فأطفأ المصباح ثم التجأ إلى زاوية من زوايا البيت . فدخلنا فجعلنا نجول عليه بأيدينا فسبقت كفّ هارون قبلي إليه . فقال : يا لها من كف ما ألينها إن نجت غدا من عذاب اللّه عزّ وجل فقلت في نفسي : ليكلمنه الليلة بكلام نقي من قلب تقي . فقال له : خذ لما جئناك له رحمك اللّه فقال : إن عمر بن عبد العزيز لما ولى الخلافة دعا سالم بن عبد اللّه ، ومحمد بن كعب القرظي ورجاء ابن حيوة فقال لهم إني قد ابتليت بهذا البلاء فأشيروا عليّ . فعدّ الخلافة بلاء وعددتها أنت وأصحابك نعمة . فقال له سالم بن عبد اللّه : إن أردت النجاة غدا من عذاب اللّه فصم عن الدنيا وليكن إفطارك من الموت . وقال له محمد بن كعب القرظي : إن أردت النجاة من عذاب اللّه فليكن كبير المسلمين عندك أبا وأوسطهم عندك أخا وأصغرهم عندك ولدا فوقر أباك وأكرم أخاك وتحنن على ولدك . وقال له رجاء بن حيوة : إن أردت النجاة غدا من عذاب اللّه عزّ وجل فأحبّ للمسلمين ما تحبّ لنفسك واكره لهم ما تكره لنفسك ثم مت إذا شئت وإني أقول لك إني أخاف عليك أشدّ الخوف يوم تزل فيه الأقدام فهل معك رحمك اللّه من يشير عليك بمثل هذا ؟ فبكى هارون بكاء شديدا حتى غشي عليه فقلت له أرفق بأمير المؤمنين فقال : يا